حبرٌ على جدران العبوديّة: كيف هزم عمر بن سعيد أغلال أمريكا بكلمات عربيّة؟


في زنزانة مظلمة بأمريكا عام 1811، تحولت قطعة فحم بين يدي أسير إفريقي إلى سلاح يقهر الجهل. لم يكن عمر بن سعيد مجرد مستعبد، بل عالماً أدرك أن الحرية الحقيقية تُكتب باللغة التي لا يفهمها سجانوه. قصة مخطوطة وحيدة خلدت صوتاً رفض الانكسار.


المحتوى السردي (The Narrative Body)

تبدأ الحكاية ليس من نهايتها، ولا من بدايتها المشرقة، بل من أضيق نقطة في مسارها الزمني والمكاني: زنزانة رطبة تفوح منها رائحة العزلة في مدينة فاييتفيل بولاية نورث كارولينا الأمريكية. العام هو 1811، والضوء الشحيح يتسلل عبر قضبان حديدية ليقع على وجه رجل إفريقي، تكسو ملامحه مهابة خفية لا تتناسب مع الأسمال البالية التي يرتديها ولا مع الأصفاد التي تدمي معصميه. في زاوية تلك العتمة، حيث يُفترض أن تُسحق الإرادة البشرية وتتلاشى الهوية، تمتد يد الرجل لتلتقط قطعة فحم ملقاة على الأرض. لم تكن مجرد قطعة فحم، بل كانت بالنسبة له امتداداً لقلم جف حبره، ولساناً أُسكت قسراً.

بدأ الرجل يخط على الجدران الحجرية الخشنة رموزاً غريبة، منحنيات ونقاطاً تتراقص في نسق هندسي بديع. لم تكن طلاسم، بل كانت لغة حية تتنفس وتنبض بالتاريخ. كانت لغة الضاد. سجانوه الذين اعتقدوا أنهم اصطادوا “همجياً” جاهلاً من أدغال إفريقيا، وقفوا مبهوتين أمام تلك الجدران التي تحولت إلى لوحات من الخط العربي. هذا الرجل لم يكن أداة للعمل الشاق، بل كان عقلاً موسوعياً يختزن في ذاكرته قرآناً وعلماً وفلسفة. إنه “عمر بن سعيد”، العالم السنغالي الذي قرر أن يحول جدران سجنه إلى أول وثيقة إثبات هوية في تاريخ أمريكا، رافضاً أن يُعرّف بغير ما هو عليه.

الجذور: من مجالس العلم في السنغال إلى غياهب المجهول

لفهم عظمة المشهد في تلك الزنزانة، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء، إلى عام 1770 تقريباً، في منطقة “فوتا تورو” الخصبة الممتدة بين نهري السنغال وغامبيا في غرب إفريقيا. هناك، وُلد عمر بن سعيد لعائلة ميسورة الحال تنتمي إلى قبائل الفولاني، وهي واحدة من كبريات المجموعات العرقية التي ساهمت في صياغة التاريخ الإسلامي والثقافي لتلك المنطقة. لم تكن إفريقيا في تلك الحقبة هي القارة المظلمة التي حاولت السرديات الاستعمارية تسويقها لاحقاً لتبرير تجارة الرقيق، بل كانت تزخر بحواضر العلم، ومراكز المعرفة، والمكتبات الزاخرة بالمخطوطات.

أمضى عمر بن سعيد خمسة وعشرين عاماً من حياته ينهل من بحور العلم. درس الحساب، وعلم الفلك، والفقه، وأصول الدين، وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. كان يتنقل بين الشيوخ والعلماء، حاملاً لوحه الخشبي ودواته، يناقش ويحلل ويكتب. كان رجلاً يمتلك العالم بين يديه من خلال المعرفة، يعيش في مجتمع يقدر الكلمة المكتوبة ويضع العلماء في أعلى المراتب الاجتماعية.

لكن في عام 1807، انقلب هذا العالم المستقر رأساً على عقب. اجتاح قريته جيش غازٍ في واحدة من تلك النزاعات الدامية التي كانت تؤججها أطماع تجار الرقيق الأوروبيين وتواطؤ بعض القوى المحلية. في لحظة غادرة، سقط العالم الجليل في الأسر. تم تجريده من حريته، وعمامته، ومكانته، ليُساق مع الآلاف من بني جلدته نحو سواحل المحيط الأطلسي، في رحلة اللاعودة التي عُرفت تاريخياً بـ “الممر الأوسط”.

رائحة الملح الخانقة، صرير الأخشاب المتهالكة، أنين الأجساد المكدسة في بطن السفينة، وظلام يبتلع الأرواح قبل الأجساد. طوال شهر ونصف، أبحر عمر بن سعيد في المحيط العظيم نحو المجهول. وفي مدينة تشارلستون بولاية كارولينا الجنوبية، رست السفينة لتبدأ فصول مأساة جديدة. هناك، في أسواق النخاسة، تم عرض العالم الموسوعي كبضاعة تُباع وتُشترى. جُرد من اسمه ليُمنح أسماء يسهل على أسياده الجدد نطقها مثل “مورو” أو “عُمرو”. اشتراه رجل وُصف في مذكرات عمر لاحقاً بأنه “رجل شرير لا يخاف الله”، مما دفع عمر، بعد ثلاث سنوات من العذاب والمهانة، إلى الهرب نحو المجهول، ليقع في قبضة السلطات في فاييتفيل، وهناك تبدأ حكاية الجدار والفحم.

جدران الزنزانة: الفحم الذي أضاء ظلام الاستعباد

في فاييتفيل، لم يكن عمر يملك سوى ذاكرته. العبودية كنظام لا تكتفي بتقييد الجسد، بل تهدف إلى محو الذاكرة وطمس الهوية، وتحويل الإنسان إلى آلة بلا ماضٍ ولا مستقبل. لكن عمر أدرك بغريزة العالم أن المعركة الحقيقية هي معركة “الوعي”. عندما التقط قطعة الفحم وبدأ يكتب على جدران السجن، كان يمارس فعل مقاومة من الطراز الرفيع. كان يقول لجدران أمريكا ولتاريخها الذي كان يُكتب للتو: “أنا هنا، أنا لست أداة، أنا صاحب حضارة، وتاريخ، ولغة، ودين”.

الكتابة بالعربية في قلب أمريكا المستعبِدة عام 1811 لم تكن مجرد تدوين عابر، بل كانت صدمة ثقافية لسجانيه. تجمع الناس حول الزنزانة ليروا هذا العجب: “عبد” يكتب بخط جميل ومنظم لغة تبدو مقدسة وغامضة. هذا المشهد غير المتوقع لفت انتباه شخصيات بارزة، من بينهم جيمس أوين، شقيق حاكم ولاية نورث كارولينا آنذاك، الذي قام بشراء عمر وتخليصه من السجن. انتقل عمر للعيش في كنف عائلة أوين، ورغم أنه عومل بشكل أفضل نسبياً، إلا أنه ظل في النهاية أسير العبودية، مملوكاً لرجل آخر.

ذروة الصراع: قلم المستعبد ومكيدة الحبر

ظن مستعبدوه أنهم، بحسن معاملتهم النسبية، قد تمكنوا من ترويضه، أو أنهم كسروا إرادته القديمة ليخلقوا منه نسخة مشوهة تتناسب مع قوالبهم. وفي عام 1831، بلغ هذا الصراع النفسي والفكري ذروته. كان المجتمع الأمريكي الأبيض في ذلك الوقت مهووساً بفكرة إثبات تفوقه الحضاري، ومحاولة مسح الهوية الإفريقية تماماً. لذا، قدموا لعمر بن سعيد ورقة وقلماً، وطلبوا منه أن يكتب.

اعتقد أسياده أنه بكتابته سيؤكد خضوعه التام، وربما رغبوا في أن يكتب نصوصاً مسيحية ليتباهوا أمام أقرانهم بأنهم نجحوا في “تنصير” و”تحضير” هذا الإفريقي. كان المشهد درامياً بامتياز: سادة بيض يقفون بابتسامات متعالية، ينتظرون من المستعبد أن ينسخ نصوصهم ليثبت كسر إرادته، ومستعبد إفريقي يجلس بهدوء، يمسك الريشة، يغمسها في الحبر، ويقرر في تلك اللحظة أن يتلاعب بهم جميعاً في وضح النهار وأمام أعينهم.

استغل عمر جهلهم المطبق باللغة العربية. فبينما كانوا ينظرون إليه بفخر ظناً منهم أنه يكتب ما يملونه عليه أو ما يُرضي غرورهم، كان عمر يخط باللغة العربية سيرته الذاتية. كان يكتب تاريخ حريته المسلوبة، وثّق مسقط رأسه، وذكر أساتذته الذين تتلمذ على أيديهم في السنغال. وثّق مرارة العبودية وقسوة الرجال الذين اختطفوه، قائلاً في مخطوطته: “لقد باعوني لأيدي المسيحيين الذين ربطوني وأرسلوني على متن سفينة كبيرة…”.

كانوا يبتسمون بغباء وهم يطوون تلك الأوراق، غير مدركين أنهم يحملون بين أيديهم وثيقة إدانة تاريخية. لقد حول عمر بن سعيد فعل الكتابة المحكوم عليه بالتبعية إلى إعلان سيادي عن الذات. في تلك اللحظة، لم يكن جيمس أوين هو السيد، بل كان عمر هو السيد المطلق للنص، يتحكم في المعنى، ويشفر رسائله بلغة لا يستطيع مختطفوه فك طلاسمها.

الفلسفة الكامنة: “الملك لله” كإعلان للتمرد

الأكثر إثارة للدهشة في مخطوطة عمر بن سعيد عام 1831 هو كيف بدأها. لم يبدأها بتمجيد أسياده، بل افتتحها من الذاكرة بآيات من القرآن الكريم، وتحديداً “سورة الملك”. الاختيار هنا لم يكن عشوائياً بأي حال من الأحوال. إن استحضار سورة تبدأ بـ “تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، هو ضربة فلسفية ولاهوتية في صميم مؤسسة العبودية الأمريكية.

عبر كتابة هذه السورة، كان عمر يوجه رسالة خفية ولكنها مدوية: الملك الحقيقي والسيادة المطلقة ليست للبشر الذين يدّعون امتلاك أجساد الآخرين، بل هي لله وحده. كان هذا نقداً جذرياً لحق الإنسان في امتلاك إنسان آخر. ورغم أن بعض المؤرخين في ذلك الوقت زعموا أن عمر تحول إلى المسيحية، إلا أن توظيفه العميق للنصوص القرآنية، واستعانته المستمرة بالبسملة والحمدلة، يثبت أنه احتفظ بجوهر عقيدته الإسلامية كدرع روحي يقيه من الانهيار الداخلي، مستخدماً ما يُعرف في التراث الإسلامي بـ “التقية” لحماية نفسه في بيئة قمعية لا ترحم.

النهاية المفتوحة: مخطوطة في الكونغرس تتحدى النسيان

عاش عمر بن سعيد حتى تجاوز التسعين من عمره، وتوفي عام 1864، قبل عام واحد فقط من الإلغاء القانوني للعبودية في الولايات المتحدة إثر الحرب الأهلية. مات وهو لا يزال مقيداً بسجلات العبيد، لكن كلماته حلقت حرة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

تنقلت مخطوطته النادرة المكونة من 15 صفحة بين أيدي هواة جمع التحف والمكاتب الخاصة لعقود طويلة، وكادت أن تُطوى في غياهب النسيان، حتى استحوذت عليها “مكتبة الكونغرس الأمريكي” عام 2017، ليتم ترميمها ورقمنتها وإتاحتها للعالم. اليوم، تقف هذه المخطوطة كوثيقة فريدة من نوعها؛ فهي السيرة الذاتية الوحيدة المعروفة التي كتبها مستعبد إفريقي في أمريكا باللغة العربية، ولم تخضع لتحرير أو رقابة السادة البيض كما حدث مع سير أخرى كُتبت بالإنجليزية.

إن قصة عمر بن سعيد ليست مجرد سرد لمأساة فردية، بل هي شهادة حية تنسف السردية النمطية التي اعتبرت العبيد الأفارقة مجرد أجساد خاوية من الفكر والثقافة. لقد أثبتت هذه المخطوطة أن ملايين الأفارقة الذين جُلبوا قسراً إلى الأمريكتين كانوا يحملون معهم حضارات وذاكرة ولغات ونظماً أخلاقية. لقد انتصر عمر بن سعيد في النهاية، ليس بسيف أو مدفع، بل بقطعة فحم، وريشة، وحبر، ولغة عربية أصيلة حفرت اسمه في سجلات الخلود، لتظل قصته تُروى، من زنزانة فاييتفيل المظلمة، إلى أروقة الكونغرس المضاءة.


المراجع:

  1. مكتبة الكونغرس الأمريكي (Library of Congress) – قسم إفريقيا والشرق الأوسط: مجموعة عمر بن سعيد المرقمنة.
  2. تقارير شبكة PBS الأمريكية حول رقمنة مخطوطة عمر بن سعيد وإبطال سردية العبيد الجهلاء.
  3. دراسات الباحث “علاء الريس” (Ala Alryyes) في ترجمة وتحليل السيرة الذاتية لعمر بن سعيد، جامعة ويسكونسن.
  4. أرشيف المركز الوطني للعلوم الإنسانية (National Humanities Center) – نصوص موثقة حول الاستعباد في أمريكا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top