ملحمة الجليد والدّم: كيف وثّق السفير العباسي “ابن فضلان” طقوس الفايكنج المرعبة في قلب روسيا

 

عنصر الرحلةالتفاصيل التاريخية
المبعوث الرّسميأحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد
الخليفة المُرسِلالخليفة العباسي المقتدر بالله
تاريخ الانطلاقيوم الخميس 11 صفر سنة 309 هـ (يونيو 921 م)
الوجهة المقصودةمملكة الصقالبة (بلغار الفولغا) في روسيا الحالية
الهدف من الرّحلةنشر الإسلام، بناء حصن للملك، وتعليم الفقه والشرائع

في قلب العاصمة العباسية بغداد، حيث كانت شوارع المدينة تضجّ بالعلماء والتُجّار والفلاسفة، وحيث كانت مكتبات دار الحكمة تفيض بمعارف الشرق والغرب، بدأت واحدة من أعظم الرّحلات الاستكشافية في تاريخ البشرية جمعاء. لم تكن هذه الرّحلة مُجرّد تحرّك دبلوماسي تقليدي بين إمبراطوريتين، بل كانت قفزةً شجاعةً نحو المجهول المُطلق، حيث تتبدّد شمس الحضارة الدافئة لتحلّ محلّها عواصف الجليد القارسة في أقاصي الشمال المُتجمد. في عام 921 للميلاد، وصل مبعوثٌ غريب الأطوار إلى بلاط الخليفة العباسي “المقتدر بالله”، يحمل رسالةً استغاثة من “ألمش بن يلطوار”، ملك الصقالبة (بلغار الفولغا)، يطلب فيها من أمير المؤمنين أن يبعث إليه بمن يُفقّهه في الدّين، ويبني له مسجداً، ويُشيّد له حصناً يحميه من هجمات الأعداء المتربصين. استجاب الخليفة لهذا النداء البعيد، ووقع الاختيار على رجلٍ ذي فطنة وحِدّة بصر ودقّة ملاحظة، هو “أحمد بن فضلان”، ليكون عين الخلافة العباسية وسفيرها في أراضٍ لم تطأها أقدام العرب من قبل. انطلق هذا الرّجل في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر، تاركاً خلفه ترف بغداد ونعيمها، ليُواجه عالماً وحشياً وقاسياً، حيث البقاء للأقوى، وحيث الدّماء تُراق كقرابين للآلهة الغاضبة، مُسطّراً بذلك أقدم وثيقة أنثروبولوجية دقيقة عن شعوب الشمال الأوروبي.

اختراق جدار الجليد: رحلةٌ إلى حافة العالم المأهول

لم تكن الطّريق إلى مملكة الصقالبة مُعبّدةً بالورود، بل كانت محفوفةً بالموت في كلّ خطوة، حيث تعيّن على القافلة العباسية أن تقطع آلاف الأميال عبر تضاريس قاسية ومُناخات لا ترحم. انطلقت القافلة من بغداد مُروراً بخراسان، ثم توغّلت في أراضي خوارزم، حيث اضطرّ ابن فضلان ورفاقه للبقاء طيلة فصل الشتاء القارس، بانتظار ذوبان الجليد الذي أغلق مسارات القوافل تماماً. يصف السفير العباسي زمهرير ذلك الشتاء بكلماتٍ تقشعرّ لها الأبدان، مؤكداً أن البرد كان من القسوة بحيث تتشقّق منه الأرض، وتتجمّد فيه المياه في الأواني قبل أن تصل إلى الشفاه، حتّى أنهم كانوا يرتدون طبقاتٍ مُتعدّدة من الفراء السميك ولا يكادون يشعرون بالدفء. ومع حلول الربيع، استأنفت القافلة مسيرها مُخترقةً سهول آسيا الوسطى الشاسعة، حيث واجهوا قبائل “الغزّ” التّركية البدوية، وهي قبائل شرسة تعيش على الرّعي والغزو، ولا تعرف من الحضارة سوى لغة السيف والرمح. في هذه المرحلة من الرّحلة، بدأ ابن فضلان يُدرك الهُوّة الثقافية السحيقة بين عالمه الإسلامي المُتمدّن، وبين هذا العالم البدائي الذي تحكمه الغرائز والخرافات، فكان يُدوّن كلّ شاردة وواردة بدقّة المُحلّل المحايد الذي لا يكتفي بالوصف، بل يغوص في أعماق السلوك البشري.

لقاء العمالقة الشّقر: الصدمة الحضارية مع “الرّوسية”

عند وصوله إلى ضفاف نهر الفولغا العظيم، اصطدم ابن فضلان بمشهدٍ لم يكن ليتخيّله في أشدّ كوابيسه أو أحلامه غرابة، وهو لقاؤه بقومٍ أسماهم “الرّوسية”، وهم تُجّار ومُحاربون من الفايكنج السويديين الذين أبحروا عبر الأنهار الروسية بحثاً عن الثروة والفراء والعبيد. وقف السفير العباسي مذهولاً أمام البنية الجسدية الهائلة لهؤلاء المُحاربين، واصفاً إياهم بأنهم طوال القامة كأشجار النخيل، شُقر الشّعر، ومُسلّحون دائماً بالفؤوس والسيوف الفرنجية العريضة التي لا تُفارقهم أبداً. لفت انتباهه بقوّة تلك الوشوم الخضراء الدّاكنة التي تُغطّي أجسادهم من أطراف أصابعهم حتّى أعناقهم، والتي كانت تحمل نقوشاً غريبة لأشجار ورموز مُخيفة تُعبّر عن معتقداتهم الوثنية. ورغم إعجابه الشديد بكمالهم الجسماني وقوّتهم البدنية، إلا أن صدمته كانت عنيفة عندما تعلّق الأمر بنظافتهم الشخصية وعاداتهم اليومية التي تناقضت تماماً مع تعاليم الطهارة الإسلامية التي نشأ عليها. فقد راقب باشمئزاز بالغ كيف يغسلون وجوههم ويستنثرون في وعاء ماء واحد يمرّ عليهم جميعاً كلّ صباح، مُعتبراً إياهم “أقذر خلق الله” لافتقارهم لأدنى مقومات النظافة التي كانت تُعتبر من أساسيات الحياة في العالم الإسلامي آنذاك.

“لم أرَ قطّ أتمّ أبداناً منهم، كأنهم النّخل، شُقرٌ حُمر، لا يلبسون القراطق ولا الخفاتين، ولكن يلبس الرّجل منهم كساءً يشتمل به على أحد شقّيه ويُخرج إحدى يديه منه، ومع كلّ واحدٍ منهم فأس وسيف وسكين لا يُفارقه… وهم أقذر خلق الله، لا يستنجون من غائط ولا بول، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من الطعام، بل هم كالحمير الضّالة.”

موت الزّعيم: طقوس الجنائز المروّعة في معسكر الفايكنج

تصل مُذكّرات ابن فضلان إلى ذروتها الدرامية المُظلمة عندما يُقرّر توثيق طقوس دفن أحد زعماء الرّوسية البارزين، وهي الحادثة التي خلّدت مخطوطته في سجلّات التاريخ الإنساني كأكثر الوصفات دقّة ورعباً لتقاليد الفايكنج. عندما مات هذا الزّعيم، لم يُدفن فوراً كما جرت العادة في الأديان السماوية، بل وُضع في قبرٍ مؤقت مُغطّى بالتراب لمدّة عشرة أيام، ريثما ينتهي قومه من تفصيل ملابسه الجنائزية وتجهيز طقوس الوداع المُعقّدة. خلال هذه الفترة، تم تقسيم ثروة الزّعيم الميت إلى ثلاثة أجزاء متساوية: ثلثٌ لأسرته وعائلته، وثلثٌ لتجهيز ملابسه الفاخرة التي سيُحرق بها، والثلث الأخير لشراء كميات هائلة من النبيذ (الكحول) ليُشرب في يوم إحراق جثته. لكنّ الجزء الأكثر رعباً في هذه التحضيرات كان يتعلّق بالعبيد، حيث يُسأل عبيده وجواريه عمّن يتطوّع للموت معه ليُرافقه إلى “الفالهالا” (جنّة المُحاربين)، فتطوّعت إحدى الجواري الشابات بكامل إرادتها. منذ لحظة تطوّعها، وُضعت الجارية تحت حراسة مشدّدة، وبدأت تُعامل كملكة مُقدّسة، فكانت تشرب الخمر ليل نهار، وتُغنّي فرحاً واستبشاراً، مُعتقدةً يقينياً أنها ستنتقل إلى عالمٍ أفضل لتكون زوجةً لسيّدها في الحياة الأخرى.

ملاك الموت ونار الخلود: ذروة التّضحية البشريّة

في اليوم المُحدّد لإحراق الزّعيم، سُحب قاربه الخشبي الضّخم إلى اليابسة، ونُصبت فوقه خيمةٌ خشبيّة فخمة، ثمّ أُخرجت الجثّة من القبر المؤقت، وأُلبست أفخر الثياب المُطرّزة بالذهب، وأُجلست في الخيمة وسط كمياتٍ هائلة من الأسلحة والطعام والشراب. هنا ظهرت شخصيةٌ بثّت الرّعب في قلب ابن فضلان، وهي عجوزٌ شمطاء ضخمة الجثة، تُدعى “ملاك الموت”، وهي الكاهنة المسؤولة عن تنفيذ طقوس التضحية الدموية، والتي كُلّفت بقتل الجارية المُتطوّعة. بدأت الطقوس بذبح الحيوانات كقرابين، حيث قُطّعت الخيول والأبقار والكلاب والديوك، وأُلقيت أشلاؤها في القارب بجوار جثة الزّعيم لتخدمه في العالم الآخر. ثمّ جاءت اللحظة المأساوية، حيث طافت الجارية على خيام كبار المُحاربين، ثمّ رُفعت ثلاث مرّات فوق إطارٍ خشبيّ لتنظر إلى “الجنّة”، قبل أن تُقاد إلى خيمة سيّدها الميت لتواجه مصيرها المحتوم. أدخلوا الجارية إلى الخيمة، وأمسك بها ستةٌ من الرّجال الأشداء، بينما أقدمت “ملاك الموت” على طعنها بخنجرٍ عريض في أضلاعها مراراً وتكراراً، في الوقت الذي كان فيه الرّجال يخنقونها بحبلٍ غليظ، بينما كان بقية المُحاربين يضربون بدروعهم بالسيوف في الخارج كي لا يُسمع صراخها المكتوم.

“ثُمّ أقبلت العجوز التي تُسمّى ملاك الموت، وفي يدها خنجرٌ عريض النّصل، فأخذت تطعنها به في أضلاعها وتنزعه، والرّجلان يخنقانها حتّى ماتت. ثمّ جاء أقرب النّاس إلى الميت، فأخذ خشبةً وأشعلها بالنار، ومشى القهقرى وهو عريان، حتّى أشعل الخشب المُكدّس تحت السفينة، فالتهمت النيران السفينة والخيمة والرّجل والجارية وكلّ ما فيها.”

لم تنتهِ المشاهد المُروّعة عند هذا الحدّ، فبعد مقتل الجارية ووضعها بجوار سيّدها، تقدّم أقرب أقرباء الزّعيم الميت، وهو عارٍ تماماً، وأضرم النار في الأخشاب المُكدّسة أسفل القارب. وفي حوارٍ فلسفيّ عميق وثّقه ابن فضلان عبر مُترجمه، سخر أحد الرّوس من عادة العرب في دفن موتاهم في التراب لتأكلهم الديدان، مُفتخراً بأنهم يحرقون موتاهم بالنار لتطهر أجسادهم وتصعد أرواحهم فوراً إلى السماء في لمح البصر. وبالفعل، في غضون ساعةٍ واحدة، تحوّلت السفينة والزّعيم والجارية وكلّ ما كان معهم إلى رمادٍ تذروه الرّياح، ثم بنى الرّوس فوق موقع الرماد تلّاً دائرياً من التراب، ونصبوا في وسطه عموداً خشبياً كُتب عليه اسم الزّعيم واسم ملك الرّوس، ليظلّ شاهداً على هذه الجنازة الملحمية التي جمعت بين أقصى درجات الولاء وأبشع صور الوحشية.

مخطوطةٌ تحدّت الزّمن: إرث ابن فضلان في الذاكرة العالميّة

عادت قافلة ابن فضلان إلى بغداد، حاملاً معه مشاهداتٍ غيّرت مفهوم الجغرافيا البشرية في العصر العباسي، لكنّ مخطوطته العظيمة “رسالة ابن فضلان” تعرّضت للضياع لقرونٍ طويلة، ولم يبقَ منها سوى اقتباساتٍ مُتفرّقة في كُتب الجغرافيين العرب اللاحقين مثل “ياقوت الحموي”. ظلّت تفاصيل هذه الرّحلة الملحمية مدفونةً في طيّات النسيان، حتّى حدثت المُعجزة الأثرية في عام 1923، عندما اكتشف الباحث التركي “زكي وليدي طوغان” نسخةً شبه كاملة من المخطوطة في مكتبة مشهد بإيران. أحدث هذا الاكتشاف زلزالاً في الأوساط الأكاديمية الغربية، إذ قدّم دليلاً تاريخياً لا يُقدّر بثمن، وشهادةً حيّة من شاهد عيانٍ موثوق على تفاصيل حياة الفايكنج التي كانت تُعتبر حتى ذلك الحين مُجرّد أساطير شفهية. تجلّى التأثير الثقافي الهائل لهذه المخطوطة في الأدب الحديث والسينما، حيث استلهم منها الروائي الأمريكي “مايكل كرايتون” روايته الشهيرة “أكلة الموتى”، والتي تحوّلت لاحقاً إلى الفيلم الهوليودي الملحمي “المُحارب الثالث عشر” (The 13th Warrior)، ليُصبح ابن فضلان رمزاً للتواصل الحضاري الشجاع بين الشرق والغرب.

في الختام، لا يُمثل كتاب ابن فضلان مُجرّد سرديةٍ تاريخية لجغرافية الأماكن الباردة، بل هو مرآةٌ عاكسة لقدرة العقل العربي والإسلامي في العصر الذهبي على استيعاب الآخر، ودراسته بموضوعيةٍ علمية نادرة تُشبه إلى حدّ كبير مناهج الأنثروبولوجيا الحديثة. لقد وقف هذا السفير العباسي المُثقّف على حافّة العالم المأهول، مُتحدّياً صقيع الطبيعة ووحشية البشر، ليُلتقط بعدسته اللغوية الدقيقة صوراً حيّة لمجتمعاتٍ كانت تعيش في ظلام التاريخ المنسي. إن رحلة ابن فضلان تُذكّرنا دائماً بأن المعرفة لا تُكتسب بالبقاء في القصور المُريحة، بل باقتحام المجهول، وأن الكلمة المكتوبة بصدق ودقّة تمتلك من القوّة ما يجعلها تتحدّى النيران، والجليد، وقروناً من النسيان، لتبقى حيّةً تنبض بالدّهشة في عقول الأجيال المُتعاقبة.

  • رسالة ابن فضلان: في وصف الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة، تحقيق سامي الدهان، دمشق.
  • معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت (الجزء المخصص لذكر نهر إتل وبلاد الروس).
  • أكلة الموتى (Eaters of the Dead)، مايكل كرايتون، دراسة تحليلية للرواية المستندة إلى المخطوطة.
  • مقالات زكي وليدي طوغان حول اكتشاف مخطوطة مشهد عام 1923 وتأثيرها في الدراسات الإسكندنافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top